"لماذا صوت الجاهل أعلي من صوت العالِم ؟"
"الجاهل يؤكد، والعالِم يشك، والعَاقل يتروّى."
-أفلاطون
هل صادفت يومًا شخصًا يتحدث بثقة شديدة عن معلومة معينة، بينما هي في حقيقتها خاطئة؟
وفي المقابل، تجد من يملك المعلومة الصحيحة، مترددًا أو يشك في معرفته؟
في الواقع، هذا حدث معي. فأنا طالبة في كلية القانون، وأعرف الكثير من الأشخاص في مجالات مختلفة، ومنذ وقت ليس ببعيد، قابلت شخصًا تخصصه بعيد كل البعد عن القانون، لكنه كان يتحدث بثقة عن معلومات قانونية شديدة الخطأ.
هذا جعلني أتساءل: كيف يمكن له أن يتحدث بهذه الثقة رغم أن أغلب كلامه، إن لم يكن كله، غير صحيح؟
بينما أنا – وعلى الرغم من دراستي ومعرفتي بالمعلومة – أتردد في الحديث خوفًا من أن أقول شيئًا خاطئًا.
•ظاهرة دانينغ-كروجر(Dunning-kruger Effect)
هي ظاهرة نفسية اكتشفها العالمان ديفيد دانينغ وجاستن كروجر عام 1999.
تقول هذه الظاهرة ببساطة إن الأشخاص الأقل كفاءة أو معرفة في مجال معين، يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، لأنهم لا يملكون الوعي الكافي لإدراك جهلهم.
في المقابل، الأشخاص الذين يمتلكون معرفة حقيقية، يميلون إلى التقليل من أنفسهم والتشكيك في قدراتهم، لأنهم يدركون حجم التعقيد والمجهول الذي لم يصلوا إليه بعد.
من أبسط الأمثلة على ذلك: شخص يقرأ معلومة على منشور فيسبوك عن الصحة النفسية، ثم يبدأ يتحدث وكأنه خبير ويُفتي في مشاكل الآخرين.
ومن أشهر المعلومات المغلوطة التي ما زالت شائعة حتى اليوم، أن الإنسان يستخدم 10% فقط من دماغه. وعلى الأغلب، قد تكون سمعت هذه المعلومة بطريقة أو بأخرى، رغم أنها خاطئة.
فالإنسان يستخدم كل أجزاء دماغه، لكن كل جزء له وظيفة مختلفة ومحددة، ويعمل في سياقه الطبيعي.
•لماذا تحدث هذه الظاهرة؟
قلة المعرفة تمنع الشخص من إدراك جهله:
عندما لا يفهم الشخص موضوعًا بعمق، لا يدرك أن له طبقات كثيرة لم يتعلمها بعد، فيظن أنه "فاهم كل حاجه".
الدماغ تحب الإحساس بالسيطرة:
الناس يميلون للإحساس بأنهم "عارفين كل حاجه" حتى وإن كان ذلك وهمًا، لأنه يمنحهم شعورًا زائفًا بالأمان.
المجتمع يكافئ الشخص الواثق أكثر من الشخص الدقيق:
في كثير من الأحيان، يتعلم الناس من التجربة أن الثقة أهم من الدقة، فتنشأ مشكلة أعمق.
ومن الأفلام التي توضح هذه النقطة بدقة، فيلم "Catch Me If You Can"، الذي يجسّد قصة شاب نجح في خداع الجميع – من بنوك إلى طيران إلى محاكم – فقط بثقته في نفسه، رغم أنه لم يكن يحمل أي مؤهلات حقيقية.
أما في الواقع، فقضية فنسنت جاماو – المحامي المزيّف في كينيا مثال حي على ذلك.
في عام 2023، تم القبض على رجل يُدعى فنسنت جاماو بعد أن اكتشفوا أنه لم يدرس القانون مطلقًا، ومع ذلك كان يحضر جلسات المحكمة، ويمثل عملاء، وكسب 26 قضية قبل انكشاف أمره.
الذي ساعده على النجاح هو أنه كان يتحدث بثقة شديدة ويتصرف باحترافية، مما أقنع الناس به، رغم عدم أهليته القانونية.فنست كان يري نفسه "فاهم"
لمجرد أنه قرأ أجزاء من القانون وشاهد بعض القضايا وهذا اعماه عن حقيقه جهله وثقته المبالغ فيها جعلت الناس تصدقه وهذا يجعلنا ندرك كيف يمكن للمجتمع أن يخطأ في تقيم الأشخاص بسبب مظهرهم الخارجي.
في دراسة نُشرت عام 2006 من جامعة ستانفورد، تم اختبار طلاب في معلومات عامة، وطُلب منهم تقييم مدى ثقتهم بعد كل إجابة.
النتائج أظهرت أن المشاركين كانوا غالبًا أكثر ثقة من دقة إجاباتهم الفعلية، في حين أن الذين أجابوا إجابات صحيحة، كانوا أكثر حذرًا وتواضعًا في تقييم أنفسهم.
ولهذا من المهم أن نُفرّق بين الثقة والكفاءة:
فالثقة قد تكون مجرد مظهر خارجي،
أما الكفاءة فهي معرفة حقيقية تُبنى على دراسة وتجربة وعمق.
والانخداع بالمظاهر قد يؤدي إلى نشر معلومات مغلوطة، اتخاذ قرارات خاطئة، أو تمجيد من لا يستحق.
•متلازمة المحتال (Impostor Syndrome)
وهي على النقيض من ظاهرة دانينغ-كروجر، إذ تصف أشخاصًا ذوي كفاءة عالية، لكنهم يشعرون بأنهم لا يستحقون ما وصلوا إليه، ويشكون في أنفسهم باستمرار.
من أشهر من وُصف بمشاعر شبيهة بهذه المتلازمة هو ألبرت أينشتاين.
قال أينشتاين في بعض رسائله:
"يبدو لي أنني كنت مبالغًا في تقديري طوال حياتي."
"أنا مجرد فنان هاوٍ في الرياضيات، أحاول أن أفهم الكون بلغة لا أتمكن منها جيدًا."
مفارقة عجيبة: بين شخص يملك العلم ويشك في نفسه، وآخر يجهل، لكنه يتحدث وكأنه خبير.
•لماذا يحدث هذا للعباقرة؟
لأن الأشخاص الذين يملكون وعيًا عميقًا، يرون حجم ما يجهلونه بوضوح، ويدركون أن معرفتهم – مهما كانت – ما هي إلا جزء صغير من محيط هائل من المجهول.
وفي هذا الزمنٍ الذي أصبح فيه الصوت العالي يُفسَّر على أنه دليل على المعرفة، بات من الضروري أن نعيد النظر في معايير حكمنا على الآخرين.
فالثقة لا تعني الكفاءة، والتردد لا يعني الجهل.
بل في كثير من الأحيان، يكون أصدق الناس معرفة هم أول من يشكون في أنفسهم، لأنهم يرون حجم المجهول الذي لا يراه الآخرون.
ومن كل ما سبق، تعلمت أن الشك أحيانًا ليس ضعفًا، بل علامة على التفكير العميق.
وأنه ليس كل من يتحدث كثيرًا يفهم أكثر، وربما يكون من يهمس بحذر هو من
يحمل الحقيقة فعلاً.
فلنصغِ لهؤلاء… لعلهم يملكون ما يستحق أن نسمعه حقًا.



ابدعتي و اوجزتي وهذي ظاهرة ليست حديثه على البشر قال فيها الامام الشافعي رحمه الله "العلم ثلاثة أشبار، فمن أدرك الشبر الأول تكبّر، ومن أدرك الشبر الثانى تواضع، ومن أدرك الشبر الثالث عَلِمَ أنه لا يعلم شيئًا"
اهلا انا تخصصي قانون بعد وفعليا احس ماني فاهمه ولاشي بس انصدم اني اعرف اكثر من الباقين بكثير بس ماعندي جرأة اتكلم برضو لو عندك نصايح لدراسه القانون ادري خارج عن الموضوع بس احب اخذ نصايح من زملاء التخصص👍🏻🌟