معايير لم نخلق بها
قبل اندلاع الحروب، وقبل أن يظهر ما يُسمّى بالاستعمار الأوروبي، وقبل أن يحدث تداخل الحضارات في حضارات أخرى موجودة علي الجانب الآخر من الكرة الأرضية تختلف عنها في الشكل، والثقافة، والعلوم، واللغة، كانت الشعوب تعتز بملامحها وعرقها اعتزازًا شديدًا. كانت ترى في هذه الملامح هبة إلهية خُصّت بها دون غيرها، ودليلًا على تفردها وتميّزها. بل إن بعض الحضارات كانت تصل إلى حد الزواج داخل الأسرة، وحتى بين الإخوة، بدافع الحفاظ على نقاء الدم والسلالة.
وهذا – مهما اختلفنا حوله أخلاقيًا – يوضح إلى أي مدى كان الإنسان متشبثًا بهويته وثقافته حتى حدود التطرف.
لكن ما الذي حدث؟
لماذا تغيّر كل هذا؟
ولماذا أصبحت معايير الجمال اليوم محصورة في ملامح ليست أصلًا جزءًا من ثقافاتنا؟
إذا عدنا إلى الماضي، سنجد أن نقطة التحول الكبرى بدأت مع توسّع الأوروبيين وانتشارهم في أنحاء العالم، واكتشافهم لشعوبٍ أخرى. وكان من أكثر الشعوب التي عانت على أيديهم الهنود الحمر، الذين تعرّضوا – مع الأسف الشديد – إلى تطهير عرقي ممنهج، بهدف الاستيلاء على أراضيهم ونهبها لأنفسهم(قال إيه عاملين قانون العدل والسلام الدولي عندهم).
واليوم، لم يتبقَّ من هذا الشعب سوى قلة قليلة تعيش في مناطق نائية بين الجبال.
ومع توسّع الاستعمار ونهب الثروات، كان الشعب الإفريقي من أكثر الشعوب التي قُمعت بوحشية. فلم يقتصر الأمر على استعبادهم فقط، بل تم إقناعهم بأنهم بشر من درجة أدنى، لا يستحقون أن يكونوا في المكانة نفسها. صُوِّروا لهم على أنهم أقل ذكاءً، وأنهم من سلالة حيوانية، بل واستُخدم الدين لتكريس هذا الفكر، وكأن الرب نفسه قال ذلك
(استغفر الله بس).
واستمر هذا القمع لفترات طويلة من التاريخ، إلى درجة أن كثيرًا من المجتمعات الإفريقية حُرمت من فرصة بناء هوية أو حضارة يعتزون بها، نتيجة الكسر النفسي العنيف والمستمر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. ففي غرب آسيا، كان الأوروبيون عندما يأسرون بعض الشعوب في الحروب، يقومون بإجراء عمليات في جفون العين لهم، بدعوى أن ملامحهم “مشوّهة” وغير مُرضية للنظر. والمفارقة أن هذه العملية أصبحت لاحقًا من أشهر عمليات التجميل في غرب آسيا، وتُجرى اليوم تحت شعار تحسين الشكل، رغم أن أصلها كان قائمًا على الإقصاء ورفض الشكل المختلف، حتي أن وجهة كوريا والذي يسمون”بفرق الكيبوب”لا يوجد أي شخص فيهم لم يجرِي عمليات تجميل وتحسين وابر تفتيح وفلر وغيره..، ومن المفترض أن هؤلاء هم المعايير للجمال فكيف لهم أن يكونوا كذلك وهم من الأساس تم تعديل كل شيء فيهم.
لقد عمل الفكر الاستعماري على ترسيخ فكرة أن الأوروبي هو المختار، الأعلى، والأرقى، بينما بقية البشر مجرد طبقة أدنى لا أكثر. وحتى بعد انتهاء الحروب المباشرة، ظل النفوذ الأمريكي والأوروبي هو الأقوى عالميًا، سواء على مستوى السلطة، أو القوانين، أو التأثير الثقافي.
وهذا ساعد في تكوين وعي جديد لدى الأجيال اللاحقة: أن الأقوى هو الأفضل، وأن الناجح – مهما كانت وسيلته – هو النموذج الذي يُحتذى به. فنحن بطبيعتنا ننجذب إلى قصة “الناجح” حتى لو كانت عقاباته و معاناته بسيطة، وننظر بتدنٍّ إلى “الفاشل” حتى لو كانت معاناته أعمق وأقسى.
ورغم أن العنصرية تبدو وكأنها تراجعت، إلا أن الحقيقة أنها ما زالت حاضرة في النفوس. ما زال كثير من الناس يُقيّمون غيرهم بناءً على لون البشرة، والملامح، وهل هو “جميل” أم “قبيح”.
وإذا انتقلنا إلى العرب، سنجد أن العرب قديمًا كانوا يعتزون بملامحهم: العيون الكبيرة، الحواجب والشعر الكثيف، الألوان السمراء أو القمحية. أما اليوم، فنجد مشهدًا مختلفًا تمامًا.
في شرق آسيا، تحاول الشعوب تقليد معايير جمال موجودة في غرب آسيا، والتي بدورها تستمد معاييرها من الثقافة الغربية. عيون مسحوبة، بشرة بيضاء بلا أي عيوب، جسم نحيف… كلها معايير دخيلة. والعرب في شرق آسيا بطبيعتهم لا يمتلكون هذه العيون، أو البشرة البيضاء بدون أي عيوب، ومن النادر جدًا أن يولد شخص بهذه الصفات دون أي تدخل من جنسية أخرى، فتحول النادر إلى المعيار.
أما في دول شمال إفريقيا، فقد تم تبني المعايير الغربية بالكامل تقريبًا:
(أنت بتكون حلو لو عيونك ملونة وابيض وياريت بقا لو شعرك ملون تبقا بكدج مفيش منه اتنين).
وهي صفات نادرة جدًا بطبيعتها داخل الجينات العربية. والمشكلة الأكبر ليست في الندرة، بل في تقديس من يمتلك هذه الصفات، ومعاملته وكأنه في طبقة أعلى من البشر.
كثير من هؤلاء يتحولون إلى مجرد شكل بلا شخصية، تصبح حياتهم كلها متمحورة حول مظهرهم فقط. والأسوأ حين نرى نماذج لأشخاص خضعوا لتجميل كامل من الرأس حتى أصابع القدمين، ثم نسمع من يقول: “ده الجمال الفلاني”. شخص لم يتبقَّ فيه أي ملامح طبيعية، ومع ذلك يُقدَّم على أنه نموذج لجمال شعب كامل. لقد وصلنا إلى مرحلة نُقدّس فيها الشكل بشكل مرضي، لدرجة أن البعض قد يفقد حياته نتيجة هذا الهوس، لأن عملية واحدة لا تكفي، فدائمًا هناك “الأجمل” الذي يجب الوصول إليه.
رأيي الشخصي:
أنا لست ضد عمليات التجميل إذا كانت تهدف إلى إصلاح تشوّه حقيقي، لا تشوّه صُنع في الذهن. وأرى أن هذا هو دورها الأساسي. كما أنني لست ضد وجود تفضيلات شكلية، لكن على الأقل يجب أن تكون نابعة من الشخص نفسه، لا مفروضة عليه بفعل التأثير الخارجي.
ومن الطبيعي أن يسعى الإنسان لأن يكون جميل الشكل، لكن الخطورة أن ينسى نفسه في هذا السعي، أو أن يتحول الأمر إلى هوس، أو أن يرى أن من هو أجمل منه يعني بالضرورة أنه أعلى منه طبقيًا. أعرف أشخاصًا رفضوا الارتباط بآخرين فقط لأنهم يرونهم “أجمل منهم”، ويخشون الشعور بالدونية والذي بطبيعة الحال يؤكد أن التأثير لا يتعلق فقط بكيفية النظر لنفسك بل لغيرك أيضًا.



👏
الموضوع جميل جدًا اتمنى ان نبتعد في هذهِ الفتره عن الروايات والخرافات ونتكلم الحق الأن نحنُ مع جيل لا يورث بل يكتسب، كلامهم أصبح مكتسب من الأجانب، الترندات أصبحت من الأجانب، الشخصيه والمقاسات كلها لم تكُن يومًا لهم، انها كانت مُكتسبه وحتى الشكل، الكلام، الأفكار حتماً جميعها مُكتسبه... الموضوع والكلام كان جميل جدا جدا اتمنى ان نبحث عن مواضيع أقدم وربطها مع الواقع ولنرى كم التغير الذي جرى حتى الفُكر تغير..