ما الذي يجعل منا أشرار أو أخيار ؟
شاهدت منذ فترة فيلمًا تدور فكرته حول صراع بين قوي الخير والشر وأن من المفترض أن يولد شخص بقوة الخير ويتم تدمير قوة الشر بحيث لا تمنح لأحد. بطل القصة وُلد في عائلة عُرفت عبر التاريخ بأنها حامية للبشر، حاملة لقوى الخير، وعلى الجانب الآخر وُلد خصمه من عشيرة عُرفت بالظلم والطغيان، وكان قد تحدد مصيرة من دون قوة شر حتي بأنه شرير. كان القدر قد كُتب لهما قبل أن يريا النور: أحدهما بطل، والآخر شرير.
لكن تتقلب الأحداث بطريقة غير متوقعة، إذ انتقلت قوى الخير بالخطأ إلى الشرير، وقوى الشر إلى البطل. ومن هنا بدأ السؤال العميق: من منهما البطل الحقيقي؟ ومن منهما الشرير الفعلي؟ وهل من العدل أن نحكم على مصير شخص بناءً على ظروف لم يخترها، أو عائلة لم يختَر الانتماء إليها؟
أكثر ما شدّني هو أن البطل، الذي حمل بداخله قوى الشر، لم يعلم بحقيقته لأن والديه أخفيا الأمر عنه وأخبراه بأنه يحمل قوى الخير. فتصرّف بناءً على هذه القناعة، وسعى لأن يكون شخصًا جيدًا، ليس لأنه وُلد كذلك، بل لأنه اختار ذلك. لم يرد أن يكرهه الناس لمجرد سمعة أو إرث أو ظروف لم يكن له يد فيه. أراد أن يحدد هويته بنفسه، لا أن يتركها لأحكام الآخرين، وعلى الجانب الأخر كان الشرير الذي يحمل قوي الخير يريد فقط أن يثبت للآخرين أن عشيرته تستحق فرصة أخري فرصة للنظر لهم بعيون أكثر رحمة أكثر من كونها قاضية وحاكمة.
وهنا يطرح الفيلم سؤالًا فلسفيًا عميقًا:
هل هويتنا الأخلاقية يحددها، ما نحن عليه فعلًا، أم كيف يرانا الناس؟
هل تصرفاتنا هي انعكاس لجوهرنا، أم رد فعل على الطريقة التي يُعاملنا بها الآخرون؟
من الصعب أن نتوقع من شخص قوبل بالقسوة والرفض منذ طفولته أن يصبح رحيمًا ومحبًا. فالإنسان في النهاية هو نتاج البيئة التي عاش فيها، والكلمات التي سمعها، والمواقف التي مر بها. ومع ذلك، تبقى هناك دائمًا مساحة للاختيار، مساحة للمقاومة، مساحة لقول: "لن أكون كما أرادوا لي أن أكون".
لكن الحقيقة الأعمق أن البشر ليسوا ملائكة خالصين ولا شياطين مطلقين. نحن خليط معقد من النوايا، والصراعات، والمشاعر. من السطحية أن نضع إنسانًا في قالب "شرير" أو "طيب" لمجرد موقف أو كلمة أو انطباع. نحن في الواقع أبطال في رواية ما، وأشرار في أخرى، حكماء في حكاية، وظالمون في أخرى.
حتى أنت، عزيزي القارئ، كنت في حياة شخص ما مصدر إلهام وخير، وفي حياة آخر سببًا في ألم أو جرح. لست واحدًا من هذه الأدوار فقط، بل كلّها مجتمعة، بجرعات متفاوتة.
إذًا… ما هي حقيقتك الفعلية؟
هل هي ما تراه في نفسك؟ أم ما يراه أحباؤك؟ أم ما يرويه الآخرون عنك؟
ربما الحقيقة الكاملة لا يملكها أحد، حتى نحن أنفسنا، لأننا في تغير دائم، نتشكل من التجارب والمواقف، ونعيد صياغة ذواتنا كل يوم.
في النهاية، نحن لسنا أبطالًا ولا أشرارًا خالصين، ولسنا محكومين بظروف وِلادتنا أو بأخطاء أسلافنا التي لم نفترقها. ولسنا مطالبين بأن نكون أبطالًا في نظر الجميع. المهم أن نعرف حقيقتنا، ونختار أفعالنا بوعي، لأننا نحن وحدنا من نعيش روايتنا الكاملة، لا الرواية التي يصوغها الآخرون من خلال نظرة ضيقة إلى جزء صغير من جوهرنا



أشكرك على هذا المقال الجميل لقد فتحت أبواب تساؤلات كثيرة ليس المهم كيف ينظر إليك الناس ولكن الأهم كيف ترى نفسك
المقال رائع ويزرع بالمرء العديد من التساؤلات عن ذاته والتفكير بالآخرين وأنه ربما نظرتهم السلبية لنا كانت من موقف معين وصدرت مننا ردة فعل لم تنل على إعجابهم ولكن الحمدلله على نعمة التغيير وان يعرف الإنسان ذاته ويفهم نفسه اكثر ،شكراً على جهودك